حديث الجندي المنهك والراهبة الجميلة

خيال

 

يركض ذلك الجندي مبتعداً عن أرض المعركة الدامية والمنهكة الي غابة صغيرة وقد أنهكه التعب والجوع، حتى وصل الي ذلك الدير الصغير، طرق الباب …

 

الراهبة: من الطارق؟
الجندي : أحتاج للماء وبعض الزاد … أنا متعب

الراهبة: جندي !

الجندي: نعم جندي. ساعديني أرجوكِ أيتها الراهبة

الراهبة: ما هو اسمك؟

الجندي: نحن الجنود ليس لدينا أسماء. نحن أرقام في تسلسل يحترق دوماً
الراهبة: …… إصبر سأحضر ما لدي من قوت

الجندي: شكراً لكِ

 

بعد أن ارتاح ذلك الجندي استأذن تلك الراهبة بأن يجلس بالقرب من الدير الصغير، كانت الراهبة حينذاك تقوم بتقليم وتعديل الزهور في حديقتها الصغيرة بالقرب من الدير، والجندي يرقبها وهو منهك، شعاع الشمس الذي يخترق الأشجار وحركة الأعشاب التي هي بفعل الهواء وصوت العصافير والهدوء والسكينة التي في تلك الغابة وجمال تلك الراهبة كانوا يشكلون لوحة فنية في رأس الجندي الذي لم يعهد في حياته سوى الدم والبارود والرصاص، كانت هناك الكثير من التساؤلات في رأسه، حول تلك المتبتلة اليافعة

الجندي: لماذا اعتزلتني العالم … ما زلتي يافعة؟

الراهبة: البحث عن الله لا يحتاج الي كهولة

الجندي: كلنا نبحث عن الله أيتها الراهبة …!

الراهبة: لن تجده أيها الجندي بسهولة.

الجندي: تبحثين عنه ولم تجديه الي الأن؟

الراهبة: نعم … لذلك قررت أن أبحث عن روحه في أقاصي الأرض المهجورة

الجندي: لماذا؟ … لماذا كل هذه الوحدة والتصَّمد؟

الراهبة:
لم يكن قراراً من أحد ولا تحريضا ًعائلياً، حتى وهم الذين تنبئوا بصلاحي منذ صغري. عندما اعتراني اليأس، عندما لم تتكلم المادة في صارخي، في اللحظات التي انكسرت فيها، أيقنت أن وجع قلبي واحدٌ صمد. اعتزلت الحياة. لأن الحياة لا يُحتمل العيش فيها بصَّمدية…. حتى أعيش أبحث عن ثنائية مع رَوح الله

 

الجندي: أعلم من ذلك أن ثنائيتك الباهرة قد انكسرت في مخاض الدنيا؟

الراهبة: نعم أيها الجندي. لقد خانتني المادة، بعد أن ظننت أني امتلكتها وأنا سعيدة، كل شيء نسبي هنا في هذا الكون حتى الحب الذي كان لب ثنائيتي.

 

الجندي: مؤلم هذا الحزن الذي على وجهك …
الراهبة: أيها الجندي … الحزن ليس كائناً ثنائياً. الكون لا يحتمل الثنائية حتى في القبح. الحزن قلب موجوع يبحث عن الله في تيه المادة.

(صمت)

الجندي: ماذا عن الذين لا يبحثون عن الله وقد انكسرت ثنائياتهم؟

الراهبة: (تبتسم)… ألا تعرفهم أيها الجندي؟

الجندي :(صمت) … !؟

الراهبة: الذي يسعى الي أن يصنع أفتك سلاح عرفه الناس

التي تسعى أن تكون أجمل امرأة في العالم

الذي يسعى الي بناء أعظم مبنى في التاريخ

والتي تحلم بأن تصل الي كوكب زحل

عندما تخونهم المادة وتنكسر ثنائياتهم، يبحثون عن أنفسهم في المادة مثل المجانين، الى ثنائية تشعرهم بإحساس بأنهم يسيطرون على العالم

الجندي: وإن وصلوا ؟

الراهبة: سيبحثون مره أخرى، عن ثنائية أخرى، حتى يطالهم الفناء.

أيها الجندي إنها المادة، قاع الحلم فيها عظيم وقمة الحلم فيها تافه. لن تجد نفسك في المادة ستظل تدور وتدور في هذا الفناء حتى تفنى وتفنى معك المادة

 

الجندي: المادة لا تفنى أيتها الراهبة.

الراهبة: إنها خادعة في زمننا النسبي، إنها ستفنى إنها فقط تحرك الكون بقوانينها العتيقة، ستموت يوماً

 

(صمت)
الراهبة: ماذا عنك أيها الجندي؟

الجندي: أنا مجرد جندي …

الراهبة: ما الذي جعلك جندياً؟

الجندي: إنسان فاشل في البحث عن ذاته وإنسان فاشل في الوصول الي ثنائيته

الراهبة: ماذا عن الله في حياتك؟

الجندي: أسمعه فقط في تراتيل أمي فجراً. إنها ليست راهبة. بل وصلت الي الله وهي في الدنيا بكل سعادة، كنت أحاول أن أستشعره ولكن كنت أعيش تحت انتزاع الحياة وسحرها
الراهبة: ليتني مثل أمك.

الجندي: كوني مثلها

 

الراهبة: (صمت) ……… والأن بعد أن عُسِكِرت وحملت السلاح، هل عرفت الله جيداً؟

الجندي: في لحظات الألم الشديد لا أجد سوى الله، في بداية المعركة لا أجد سوى الله، وحتى في وحدة الثكنة أنا مع الله، الرصاصة لا تخرج إلا باسم لله، في نهاية المعركة لا أصلي إلا لله، الله هو الذي أرشدني الي هذا الدير حتى أرتاح.

الراهبة: وجدت ثنائيتك … أغبطك!

الجندي: لم تنتهي المعركة بعد. ربما أفقد هذه الثنائية بعد انتهاء الحرب

الراهبة: ما بال الحروب. تشتعل دائماً باسم لله؟

الجندي: أيتها الراهبة … أن الله حلم عظيم، ينسج الناس دائماً أحلاماً عظيمة للوصول إليه، كذلك الكاذبون الذين يستغلون اسمه المعظم كمبرر للحرب، حتى يقتل الجندي بإسم الله في كل طمأنينة وفخر، الجندي الذي يحلم بفعلة أن يصنع ثنائيته العظمى مع الله، أن يحقق ذاته المفقودة، الجندي الذي لا يرتجي من الدنيا ولا من المادة شيء بعد أن كَسَته رداء الفشل

 

الراهبة: هكذا هم الناس بين بهاء المادة وحلم الله الصعب

الجندي: صحيح أيتها الراهبة الجميلة!

الراهبة: جميلة  ؟!؟!!

الجندي: لم الاستغراب أيتها الراهبة !  . حكمت عليك بالجمال بقانون الروح وأنتِ قرأتِ الحكم بقانون المادة

الراهبة:(تبتسم) إنك قديس في لباس جندي.

الجندي: سأذهب الأن أيتها الراهبة

الراهبة: كل صلواتي الصادقة لك. الله معك دوماً. سنصل الي تلك الروح يوماً

الجندي: عودي للدنيا أيتها الراهبة

الراهبة: أعود ؟؟ وعزلتي؟

 

الجندي: كوني مثل أمي، إنعزلي مع الله فقط، في حلم الجنة المطلق، في حبه الخالص، إنعزلي في زحام المادة، عودي للدنيا كفتاة، ذات نزعه سماوية، في لباس الراهبة الجميلة

 

 

ذهب الجندي حتى ينهي معركته على أمل أن يعود وتعود تلك الراهبة للدنيا
على أمل آخر بأن يجدا ثنائيتهما الضائعة .

 

 

بوحمدي – عصر 27/2/2015
شاي – ريح وغبار – خيال مقلق

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *