قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا

 شغفها حبا

الآية 30 سورة يوسف

كان ذلك صباحاً، عند استيقاظي المعتاد للدوام اليومي، حالة الكسل التي تجربك على البقاء قليلاً مع صوت المذياع الذي اعتدت أن أنام عليه وهو يبث إذاعة القرآن، تًسّمرت قليلاً على صوت المقرئ عبدالباري الثبيتي والذي كان يتلو سورة يوسف، حتى وصل الي تلك الآية

 

وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ

 

جلست أتفكر قليلاً في مفهوم الحب. رجعت الي حكاية الغواية في قصة يوسف عندما أُعجبَت امرأة العزيز بيوسف، الكل يعلم بأن تحركها اتجاه يوسف كان تحركاً غرائزياً خالياً من كل معاني الجمال والصدق والسمو والرومنسية. لم يكن هذا التصريح في القرآن بهذا الشغف سوى تعبيراً عن نظرة “نسوة المدينة ” لما حدث لسيدتهن، فقد وَصَفنَ هذا التحرك الغرائزي بالحب الشغوف، إذا هي ليست نظرة إلهيه للحب، فالقرآن تكلم هنا بلسان النسوة

قارنت نظرة “نسوة المدينة” بنظرتنا للحب في هذه الأيام، في الحقيقة لم أجد ذلك الاختلاف، الكثير منا عندما يتكلم في الحب يتجه تفكيره في الغالب الي الغريزة وإن خالجته نفحات من صدق ورومنسية الحب، إلا أن الغريرة تبقى أحد الركائز التي يبنى عليها فهم الحب في هذا الزمن

 

لماذا؟ لماذا هذه النظرة؟

منذ زمن يوسف عليه السلام والي يومنا هذا، وبالأخص في المجتمعات المدنية كانت المدن تعزز من سطوة المادة على الحياة، في المدينة حيث الاقتتال الرهيب على المتطلبات اليومية، لم يعد لمتطلبات الروح مساحة للعيش، فأصبح كل ما هو روحي له مرادف في عالم المادة، فكانت الصلاة منَاسَبة ومسجد، والصداقة هدية ومصلحة والحب غريزة وجنس.

في يومنا هذا لو أتى أحدهم وقال لك “أحبك” ؟

ستشعر بانتشائه جميلة في أول السمع والإحساس ولكن لو كرر وكرر الكلمة، لن تشعر بنفس هذا الشعور مره أخرى، وستأخذك المادة نحو الكثير من المتطلبات المادية التي تطغى على المطلب الروحي

للأسف أصبح هذا الحس كالسلعة تنفذ مثل ما ينفذ أي شيء مادي، الحب الذي هو من المفترض أن يكون ديمومة لم يعد كما كان.

سحقاً للمدن في غابر الزمن وقادمها ..

الرومنسية أرقى وأعلى من أن تكون علاقة بين رجل وامرأة

 

سألت نفسي كيف لي بأن أعرف الحب ..

 

كان الجواب من القرآن أيضاً “قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ “، نعم نحن مطالبون بهذا السير والتفكر في الطبيعة وجمالها، مطالبون ببناء الجمال والرومنسية في نفوسنا، يجب أن نَشغَف حباً بكل ما هو طبيعي وصادق، نتفكر بالجبل الراسي كم هو عظيم بخشوعه، والماء المتدفق من الشلالات وكأنه يرسم تراقص الفرح، الهواء الذي يتلاعب بعشب الربيع مثل تلاعب العازف بأصابع البيانو، فلنتفكر بالضوء القادم من الشمس ماذا تفعل الفوتونات الضوئية؟ إنها التي تصنع صبغات الحياة لأعيُننا فتصنع جمالاً داخلي لا مثيل له، ولنستمع لصوت الهواء عندما يمر كالخيل بين أدواح السدر

 

لنهب حواسنا للطبيعة. ولنخرج من تلك المدن الي القرى الحالمة
فلنصنع الرومنسية في أنفسنا ليكون طريقنا لمعرفة مفهوم الحب الحقيقي المرتبط بالسماء والروح
فليكن الحب بيننا سماوياً وشغوفاً. حتى يكون سرمدياً مثل الأزل

 

أحبكم في الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *